الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

263

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

ولكن ماذا كانت النتيجة ؟ ! كذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل وما كيد فرعون إلا في تباب . " الصرح " في الأصل تعني الوضوح ، و " التصريح " بمعنى التوضيح ، ثم عمم معنى الكلمة على الأبنية المرتفعة والقصور الجميلة العالية ، وذلك لأنها واضحة ومميزة بشكل كامل ، وقد ذكر هذا المعنى العديد من المفسرين واللغويين . " تباب " تعني الخسارة والهلاك . إن أول ما يطالعنا هنا هو السؤال عن الهدف الذي كان فرعون يرغب بتحقيقه من خلال عمله هذا . هل كان فرعون بهذا لمقدار من الغباء والحماقة والسذاجة بحيث يعتقد أن إله موسى موجود فعلا في مكان ما من السماء ؟ وإذا كان موجودا في السماء ، فهل يستطيع الوصول إليه بواسطة إقامة بناء مرتفع يعتبر ارتفاعه تافها إزاء جبال الكرة الأرضية ؟ إن هذا الاحتمال ضعيف للغاية ، ذلك لأن فرعون بالرغم من غروره وتكبره ، فقد كان يمتاز بالذكاء والقدرة السياسية التي أهلته للسيطرة على شعب كبير لسنين مديدة من خلال أساليب القهر والقوة والخداع . لذلك كله نرى الموقف يدعونا إلى تحليل هذا التصرف الفرعوني لمعرفة دواعيه وأهدافه الشيطانية . فمن خلال عملية التأمل والتمحيص ، يمكن أن تنتهي إلى ثلاثة أهداف كانت تكمن وراء هذا التصرف والأهداف هذه هي : أولا : أراد فرعون أن يختلق وضعا يعمد من خلاله إلى إلهاء الناس وصرف أذهانهم عن قضية نبوة موسى ( عليه السلام ) وثورة بني إسرائيل . وقضية بناء مثل هذا الصرح المرتفع يمكن أن تحوز على اهتمام الناس ، وتهيمن على اهتماماتهم الفكرية ، وبالتالي إلى صرفهم عن القضية الأساسية .